الاكتئاب

 


بقلم | نيرمين خليفة

ذلك الضيق الشديد الذي يعصف بروح الإنسان وجسده فيتركه صريع اليأس والتخبط، يظن ألا مفر من هذه الحال إلا ترك الدنيا برمتها، سرداب لانهاية له تطل منه فتحة نور تخبر الغارق فيها بأنه سوف يخرج بيوم من الأيام، واستعير كلمة سرداب من الروائي السوري عبد العزيز الموسى الذي قضى منذ أيام كمداً على وطننا الذي يغرق بالقهر والضغوط والأحزان.

وفي هذا السرداب ينتظر الفرد فيه يداً حانية تربت على كتفه توجهه أو تعينه أو تدله على جهة يمكن أن يجد فيها الأمل، ولكن هيهات في مجتمعنا الغارق بالجهل حيث الكل يضع الكل في قوالب مسبقة، فذاك ضعيفٌ دينياً لم يتمكن من تحمل تبعات فقد الأهل والمأوى، وتلك لاتصبر على قضاء الله وهشة نفسياً ولا تتقبل خسارة كل ما كانت تملكه قبل هذه السنوات العجاف، وتلك مريضة نفسياً نعم فقد رأيتها تطلب استشارة على مواقع التواصل الإجتماعي نعم، إنها مجنونة. 

حرب ضروس وفقر مدقع، وفقد للأهل والأحبة وغياب الأمان والأمل بالإضافة إلى عدم توفر فرص لأي حياة كريمة، كل هذه الضغوط والأزمات ترى الإنسان السوري يقاوم بشكل غير طبيعي الإستجابة الطبيعية التي يفترض أن تتسم بالحزن الطبيعي والألم الروحي والجسدي، بل يكابر ويوسم الآخر بالوهن وقلة الدين وانخفاض القدرة على التكيف، ليترك المجتمع متأزماً يخشى طلب المساعدة أو الخدمة النفسية فينفجر بحالات انتحار صادمة وكأنها خلقت من العدم.


غالب الحالات التي تطلب الخدمة النفسية تراجع العيادات الطبية بشكوى جسدية متنوعة دون إدراكها بأن السبب الرئيسي هو إصابتها بالاكتئاب أو أي اضطراب نفسي آخر، وفي قليل المرات التي يقوم الطبيب بتوجيههم للحصول على خدمات نفسية يستنكرون ويزبدون معترضين بأننا لسنا مجانين، وبكل أسف تستمر الحالة بالتفاقم منغصة عليها وعلى محيطها الحياة.


الاكتئاب  ليس بجنون بل هو ردة فعل غالباً تحدث نتيجة الضغوطات الاجتماعية والأحداث الصادمة والمشكلات الصعبة، من يعاني منه ليس بمجنون ولا قليل إيمان بل هو إنسان استجاب بشكل طبيعي لظروف قاهرة، يحتاج للعون والدعم ممن يحيط به، يحتاج إلى أسرة متفهمة لما يمر به تأخد بيده ليرى النور في آخر النفق الذي نغرق فيه كلنا، إنسان لديه حساسية عالية ويتوق ليستعيد الشعور بالحياة والمتعة الكامنة في لمسة طفل ولقاء أب وأول يوم بالجامعة، علاج الاكتئاب متوفر في أغلب المراكز الصحية ولكنه متوفر بداية لدينا، في وعينا لواقعنا ومدى الجهود التي علينا بذلها للتخلص من الموروث الثقافي السلبي الذي يشكل عبئاً علينا، في سعينا الحثيث لإعلاء الإنسان كقيمة، محاولين التخفيف من وطأة الظلم الاجتماعي الذي يطحننا جميعاً.

في هذا المكان المتأزم نفسياً نتيجة عقود طويلة من التغييب والاستبداد ونتيجة سنوات من الحرب والتدمير، يصبح العمل على بناء الإنسان أولاً وصلاحه وتعافيه ثانياً هو الواجب الأهم على كل صاحب هم وبكل أداة ووسيلة، عن طريق التعليم والتربية والصحة والإعلام والتوعية وسن القوانين والدساتير ومواجهة كل أدوات الفساد والدمار التي تستهدف جميع فئاته.


إرسال تعليق

0 تعليقات