عبد الرحمن الكواكبي ومقاومة الاستبداد


 

بقلم | مصعب الجبّان

عبد الرحمن الكواكبي صاحبُ الاسم المستعار (السيد الفراتي) هو مفكرٌ إصلاحي إسلامي سوري، ولد في مدينة حلب عام 1854، أشتهر الكواكبي بنضاله الفكري ضد الاستبداد السياسي، وقاسى في ذلك الكثير من آلام الغربة والتهجير والسجن والاضطهاد.


تحدث في كثير من آثاره الفكرية عن المنهج الإسلامي في الإصلاح السياسي، وأكد أن داء الأمة يكمن في فساد السياسة وإنتاج المستبد الذي «يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلمُ من نفسه أنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتّداعي لمطالبته».


ترك الكواكبي خلفه كتابين اثنين (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، وكتاب أم القرى) وسلك في منهما درباً مختلفاً، امتاز كتاب طبائع الاستبداد باعتماده المنهج التحليلي والاستنباطي، فلم يعد يسعى إلى حصر الأسباب المؤدية لتخلف الشعوب المسلمة كما فعل في «أم القرى»، بقدر ما أراد أن يضع يده على الجرح في كتاب «طبائع الاستبداد». وباعتماده لهذا النهج حصر كل شيء في سبب واحد ألا وهو الاستبداد..


حيث يقول في مطلع كتابه: «وحيث أني قد تمحص عندي، أن أصل الداء هو الاستبداد، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية، وقد استقر فكري لذلك، كما أن لكل نبأ مستقر.»

يتبين للقارئ أن الاستبداد هو أصل انحطاط الشعوب وتخلفها، وأعظم مظاهره هو استبداد الحكومات، يَتطرق الكتابُ إلى وصف حال الشعوب التي تعيش في كنفِ حاكمٍ مستبدٍ ظالمٍ يستغل جهل أفراد أمته ويتصرف في شؤونهم بمقتضى الهوى وليس الحكمة. يعاني عوام الشعب المظلوم من التواكل والجهل وفقدٍ للهمم وانشغال تامٍ بحياتهم البهيمية البدائية والتي تكون بعيدة كل البعد عن الحرية الفكرية والأخلاقية، ولكنك تجدهم حريصين كلَ الحِرصِ عليها لأنهم لا يعرفون غيرها ولم يذوقوا نعيم المجد بعد.


الدين بالنسبة للمستبد هو الوسيلة الأعظم لفرض سطوته وحكمه على شعب جاهلٍ بائسٍ خائف يفتقر لأبسط درجات العلم والمنطق. يبدأ الحاكم بتجنيد رجال دين وكهنة يرهبون العوام من مصائب الله وعقابه ويوهمونهم بأن خلاصهم لا يكون إلا بتبجيل الحاكم وطاعته وعدم الخروج عن أمره. ولا يتوقفون عند هذا فحسب، بل يُضفون صفات الجبروت والعظمة والألوهية على حاكمهم فيختلط على الناس صفات ربهم بصفات قاهرهم ومستبدهم، ولذلك يقتنعون بانعدام حقهم في الانتقاد والمعارضة. ويبقى الشعب على هذه الحال من التخبط والفوضى إلى أن يترقى في العلوم والمعارف وخاصة العلوم الحياتية والسياسية والأخلاقية. لتدرك الأمة حجم المخاطر والظلم والعدوان وسلب الحقوق الذي يحيط بها وتَعلم حقيقة النظام الفاسد بكل فروعه ووزاراته وتقرر مجابهته عن علمٍ وبصيرة.


العِلم هو عدوُ المستبدِ الأول، وبالعلمِ تنهض الامة من خوفها واستسلامها، وبالعلمِ تبدأ بالسعي وراء منافعها وحقوقها الشرعية فإما أن تزيل الحاكم الظالم ونظامه أو أن تجبره على الرضوخ لرغباتها فيصبح رئيساً خادماً لها ولمصالحها كما في جميع دول العالم المتحضرة. وبهذا يتحول من خائن خائف على حياته ومنصبه إلى رئيسٍ محترمٍ جديرٍ بحكمه. والأصل أن المستبدَ يمقت أهل العلم والشرفاء لأنهم يذكرونه بضعفه وجهله، فهو يحاول أن يقصيهم ويودعهم في السجون والمنافي أو أن يتلاعب بهم ليسبحوا بحمده. ولكن الشرفاء منهم يأبون الخضوع لإرادته ويفضلون السجن على العيش أذلاء لنظام ظالم مستبد.


والمطالعُ لكتاب الكواكبي يتعجب من دقة وصفه لكل تفاصيل النظام الاستبدادي بكل فروعه وفصوله وكأنه لم يسطر هذه السطور منذ قرن من الزمان وكأنه يعيش في وقتنا الحاضر ويشهد على كل ويلات الشعوب العربية بما تعانيه من حكومات دكتاتوريةٍ مستبدةٍ تنهش لحوم البشر وتهتك عرضهم وتنهب أموالهم وحقوقهم. وهذا ما يُثبَتُ أن الظلم واستعباد البشر بعضهم لبعض لا يزال يفتك بالأمم رغم اختلاف الأزمان وتطور الحضارات. والقارئُ للكتاب أيضاً قد يتعجب من عدم تخلص شعوبنا العربية من حكامهم المستبدين رغم ثورتهم وهباتهم ضد الظلم، ولكنَ الفصل الأخيرَ من الكتاب يقدم الإجابة الكافية والشرح المفصل لهذا التساؤل. التخلص من الاستبداد مبني على ثلاثة قواعد يجب أن تتحقق جميعها معاً لينجح الشعب في ثورته. القاعدة الأولى هي أن «الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية». القاعدة الثانية هي «أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما باللين والتدرج». والثالثة هي أنه «يجب قبل مقامة الاستبداد تهيئة ماذا يُستبدَل به الاستبداد». ويقدم الكاتب لكل قاعدة شرحاً مفصلاً لها. ولأن ثورة الأمة تبدأ من الأفراد المثقفين المتعلمين الواعين لحقوقهم وحرياتهم، يبين الكواكبي صفات القائد القادر على النهوض بأمته.


طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد كتابٌ يطول الشرح عنه ووصفُ جمالِ لغتهِ الأدبية البسيطة والجذابة التي تُسَهل على القارئ الفهم. يُبدع الكواكبي في وصف الاستبداد بجميع أذرعه بدأً من الحاكم والأعيان ورجال الدين ووصف علاقة الاستبداد بالعلم والدين والأخلاق والمال والمجد ووصف حال الأمة المنتهكةِ حقوقها ووصف كيفية الخلاص من هذه اللعنة الأبدية.


إن عبد الرحمن الكواكبي قدم في كتابه «طبائع الاستبداد» تشخيصاً دقيقاً لداء الجمود والركود والانحطاط للحضارة الإسلامية.. وقد سلك الكواكبي منهجاً تحليلياً، أوصله إلى أن كل تلك الأسباب ترجع إلى سبب واحد هو الاستبداد السياسي وإن ما سواه مجرد أعراض للداء.. كما أرفد نصوص أدبية ثمينة تحدث فيها عن الثورات وأدبياتها، وقدم الكواكبي خططاً عملية للإصلاح السياسي من خلال كتابه هذا، وخصوصاً في الفصل الأخير الذي تناول مسألة السعي إلى رفع الاستبداد..

فما أجدر دعاة الإسلام ووعاته وكل حملة الهم والقلم في الأمة أن يعيدوا قراءة الكواكبي اليوم.. فكم ترك لنا هذا العبقري من حكمة سياسية لا تبلى على مر الزمان.


إرسال تعليق

0 تعليقات